صديق الحسيني القنوجي البخاري

344

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقوله : فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ تعليل لما يدل عليه ما تقدم من استبعادهم لبعث العظام النخرة وإحياء الأموات ، والمعنى لا تستبعدوا ذلك فإنما هي زجرة واحدة وكان ذلك الإحياء والبعث ، والمراد بالزجرة الصيحة وهي النفخة الثانية التي يكون البعث بها ، وقيل إن الضمير في فَإِنَّما هِيَ راجع إلى الرادفة المتقدم ذكرها التي يعقبها البعث وسميت هذه النفخة زجرة لأنه يفهم منها النهي عن التخلف والمنع منه ، وعبارة الخطيب وعبر بالزجرة لأنها أشد من النهي لأنها صيحة لا يتخلف عنها القيام أصلا . فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ أي فإذا الخلائق الذين قد ماتوا ودفنوا أحياء على وجه الأرض ، قال الواحدي المراد بالساهرة وجه الأرض وظاهرها في قول الجميع ، قال الفراء سميت بهذا الاسم لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم ، وقيل لأنه يسهر في فلاتها خوفا منها فسميت بذلك ، قال في الصحاح الساهرة وجه الأرض ، ومنه قوله : فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ وقال الساهرة أرض بيضاء ، وقيل أرض من فضة لم يعص اللّه فيها ، وقيل الساهرة الأرض السابعة يأتي بها اللّه سبحانه فيحاسب عليها الخلائق . وقال سفيان الثوري : الساهرة أرض الشام أو أرض مكة أو أرض القيامة ، وقال قتادة هي جهنم ، أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم ، وإنما قيل لها ساهرة لأنهم لا ينامون فيها لاستمرار عذابهم ، وقال ابن عباس هي وجه الأرض وفي لفظ الأرض كلها ساهرة . وجملة هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى مستأنفة مسوقة لتسلية رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن تكذيب قومه ، وأنه يصيبهم مثل ما أصاب من كان قبلهم ممن هو أقوى منهم ، ومعنى هَلْ أَتاكَ قد جاءك وبلغك ، وهذا على تقدير أن قد سمع من قصص فرعون وموسى ما يعرف به حديثهما ، وعلى تقدير أن هذا أول ما نزل عليه في شأنهما فيكون المعنى على الاستفهام إذ لا وجه لحملة على الإقرار حينئذ أي هل أتاك حديثه ؟ أنا أخبرك به . إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً الظرف متعلق بحديث لا بأتاك لاختلاف وقتيهما ، وقد مضى من خبر موسى وفرعون في غير موضع ما فيه كفاية . والواد المقدس المبارك المطهر غاية الطهور بتشريف اللّه له بإنزال النبوة فيه المفيضة للبركات ، قال الفراء طُوىً واد بين المدينة ومصر سمي طوي لأنه طوى فيه الشر عن بني إسرائيل أو لأن موسى طواه بالليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي ، وقيل واد بالشام عند الصور بين أيلة ومصر ، وهو معدول من طاو كما عدل عمر من عامر ، قاله الفراء ، قال : والصرف أحب إلي إذ لم أجد في المعدول نظيرا له . وقيل طوى معناه بالعبرانية يا رجل فكأنه قيل يا رجل ، وقيل المعنى أن الوادي المقدس بورك فيه مرتين والأول أولى ، وقد مضى تحقيق القول فيه ، قرىء طوى